محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

988

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ العيّ وصحّ له عيانا قالَ أَعْلَمُ . قرأ حمزة والكسائي : اعلم موصولا بالجزم على الأمر أي قال له اللّه : اعلم ، أو قال له ملك ؛ والباقون على الخبر أعلم مقطوعا مرفوعا ، أي قال عزير : أعلم وأتحقّق أنّ اللّه على كلّ شيء قدير ؛ فزال التعجّب والتردّد في قوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها . الأسرار قال المتيقّنون بالإعادة والحشر : إنّ الناس في الإعادة بعد الإبداء على ثلاثة مذاهب : منكر ومتعجّب وطالب يقين وطمأنينة ؛ ولقد كان الذي حاجّ إبراهيم في ربّه منكرا للإعادة منازعا في الإبداء . قال : أنا أحيي وأميت . فأفحمه إبراهيم - عليه السلام - بإثبات معقول وراء المحسوس ؛ فبهت الذي كفر ؛ ولقد كان عزير أو إرميا - عليهما السلام - متعجّبا لا منكرا ؛ ويمكن أن يكون التعجّب لأجل العمارة بعد ذلك الخراب الفاحش ، وسياق أوّل الآية يدلّ على ذلك ؛ إذ مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها ؛ فقال : أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها ، أي متى يعمّرها بعد خرابها ؟ ! فأراه اللّه تعالى عمارتها في مائة عام ؛ ويمكن أن يكون التعجّب عن الإحياء بعد الإماتة ، وسياق آخر الآية يدلّ على ذلك ؛ إذ أماته ثمّ بعثه وأهلك الحمار على قول ، ثمّ نشره ؛ فلمّا تبيّن له قال : أعلم أنّ اللّه على كلّ شيء قدير إحياء وإماتة وإبداء وإعادة ونشرا وحشرا . ولقد كان الخليل - عليه السلام - طالبا لليقين ؛ إذ قال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وستأتي قصّته بعيد هذه ، ونحن نعدّ آيات الحشر في هذه الآية . فمنها أنّ اللّه تعالى أمات عزيرا ثمّ بعثه فقال : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ على جواز الحشر وإمكانه والبعث وكيفية ائتلاف أركانه ؛ ومنها أنّ الطعام والشراب أبقاهما على حالهما لم يتسنّه واحد منهما مع أنّ أقرب المطعومات إلى التغيّر هو التين وأولى المشروبات بالاستحالة هو العصير ؛ فالتين لم ينتن ، والعصير لم يصر خمرا ؛ وأبعد الأشياء من الاستحالة هو عظام الحمار وقد تفتّتت وصارت رميما ؛ فنشزها اللّه بمرأى منه وكساها اللحم على عيان منه ؛ فلم يبق له ريب : وليس في الحقّ يا أميمة ريب 178